السيد كمال الحيدري
75
شرح كتاب المنطق
- 1 - وجه الحاجة إلى الخطابة كثيراً ما يحتاج المشرّعون ودعاة المبادئ والسياسيون ونحوهم إلى إقناع الجماهير فيما يريدون تحقيقه ، إذ تحقيق فكرتهم أو دعوتهم لا تتمّ إلّا برضا الجمهور عنها وقناعتهم بها . والجمهور لا يخضع للبرهان ولا يقنع به ، كما لا يخضع للطرق الجدلية ، لأنّ الجمهور تتحكّم به العاطفة أكثر من التعقّل والتبصّر ، بل ليس له الصبر على التأمّل والتفكير ومحاكمة الأدلّة والبراهين ، وإنّما هو سطحيُّ التفكير فاقدٌ للتمييز الدقيق ، تؤثّر فيه المغريات وتبهره العبارات البرّاقة وتقنعه الظواهر الخلّابة . ولعدم صبره على التمييز الدقيق ، نجده إذا عُرِضتْ عليه فكرة ، لا يتمكّن من التفكيك بين صحيحها وسقيمها ، فيقبلها كلّها أو يرفضها كلّها . وعليه ، فيحتاج من يريد التأثير على الجماهير في إقناعهم أن يسلك مسلكاً آخر غير مسلك البرهان والجدل المتقدّمين ، فإنّ الذي يبدو أنّ الطرق العقلية عاجزة عن التأثير على عقائد الناس وتحويلها ؛ لعجزها عن التأثير على عواطفهم المتحكّمة فيهم . بل لا يقتصر هذا الأمر على الجمهور بما هو جمهور ، فإنّ كلّ فرد من أفراد العامّة إذا كان قليل الثقافة والمعرفة ، هو أبعد ما يكون عن الاقتناع بالطرق البرهانية أو الجدلية ، بل أكثر الخاصّة المثقّفين - وإن ظنّوا في أنفسهم المعرفة وحرية الرأي - ينجذبون إلى الطرق المقنعة المؤثّرة على العواطف وينخدعون بها ، بل لا يستغنون عنها في كثير من آرائهم ، واعتقاداتهم بالرغم على قناعتهم بمعرفتهم وثقافتهم التي قد يتخيّلون